حسن بن موسى القادري

247

شرح حكم الشيخ الأكبر

نظر إلى أحديته وعدم اقتضاء ذاته لأحد المتقابلات يحكم بأنه إن يشاء وجود العالم لما ظهر العالم ، ومن نظر إلى أسمائه وصفاته حكم بأنه لا يمكن أن لا يشاء فضلا عن وقوع المشيئة ، فاعرف هذا ، فإن مشيئته تعالى أحدية التعلق لا تتعلق إلا بأحد النقيضين على ما أجمع عليه المحقّقون ، وصرح به الشيخ في تأليفه . فكما أن معرفة العارف لا تكون إلا بما فيه منه كذلك الجهل لا يكون إلا بما حجبه عنه ، كما قال الشيخ قدس سره : ( ولا أنكره جاهل إلا بما حجبه عنه ) أيّ : الجاهل الذي لا يعرف الحق تعالى ، ولا يقربه في كلّ صورة لا ينكره إلا بشيء حجب ذلك الشيء إياه عن مشاهدة الحق ذوقا ووجدانا مما سوى الحق تعالى سواء نفسه وغير نفسه ، فإن كل ما يقف العبد عنده بالالتفات إليه فهو حجاب له ؛ لأن الحجاب انطباع الصور الكونية في القلب المانعة من تجلّي الحق تعالى ، فالحجاب ليس إلا ما سواه ، فإنه تعالى ليس بمحجوب عن أحد ؛ لأنه تعالى ظاهر كمال الظهور ، ومعنى خفائه حقا عدم العارف به ، أو معناه الظهور غاية الظهور من باب التضاد ، ولا يقول بخفائه حقيقة إلا المحجوب والمشرك بالشرك الخفي ؛ لأنه في الحقيقة ليس معه غير حتى يحجبه ، ولو قلنا : بوجود الغير ولو من وجه كما عرفت قبيل هذا ، فلا شيء أعظم منهما حتى يحجبه ، وأيضا لو حجبه شيء لكان محجوبا أزلا وأبدا ، وفي الأزل ما كان شيء ، وأيضا لو كان محجوبا بالكان مقهورا ، وهو القاهر فوق كلّ شيء ، فالمحجوب هو الجاهل ، والحق تعالى محتجب عنه بالنظر إلى غيره تعالى ، فأنكره بسبب ما حجبه عنه ؛ لأنه لو لم يكن ما حجبه عنه لما أنكره ، ويحتمل أن يكون المراد ولا أنكره الجاهل إلا بقدر ما حجبه عنه ، فإن كان ما حجبه قليلا فالإنكار قليل ، وإلا فهو كثير على قدر حاجبه ، فالعارف يعرف الحق تعالى في كلّ صورة ، ولا ينكره في صورة من الصور أبدا ؛ لأن الحق عنده هو المعروف الذي لا ينكر ، والجاهل يقيده بصورة مخصوصة فينكره في غيره ما قيده به ، ويعرفه فيما قيده به على ما ورد في الحديث الصحيح : « فيأتيهم اللّه يوم القيامة في غير صورة يعرفون ، فيقول الحق تعالى : ( أنا ربكم ) ، فيقولون : نعوذ باللّه منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ، فإذا أتانا ربنا عرفناه فيأتيهم في الصورة التي يعرفونها فيقول : ( أنا ربكم ) فيعترفون به ويتبعونه » ، وسواء كان العارف أو الجاهل لا يعرفه إلا في صورة معتقدة إلا أن الجاهل ينكره في غيرها ، والعارف لا ينكره في صورة ، ويعطي مراسم التعظيم والإجلال إلى كل صورة بمقدار مرتبتها ؛ لأن كل صورة